الجمعة، مارس 27

قدر نور منطفئ.

                                                     Edvard MUNCH
                                                             Le Cri 1893


خالتي عاملة جنس. قضت معظم عمرها بين أسرة زبنائها.. إلى أن قررت طي الصفحة وبداية حياة جديدة. اختارت كبداية إنجاب طفلة كانت وحدها المسؤولة عنها، دور الأب اقتصر في ذلك الحيوان المنوي الذي استقر في رحمها. بذلت الغالي والنفيس لضمان مستقبل مشرق لتلك الزهرة التي كانت سبب خلاصها وإضاءة جحيم حياتها. "نور"، ملاك على هيئة إنسان درست في التعليم الخصوصي حرصا من أمها على تأمين مسار جيد لحياتها. كبرت الطفلة بين نموذج أم لازالت تحاول أن تتخلص من عقدها وتسعى لإبعاد ابنتها ما أمكن عن ذلك العالم المظلم.. وأب لا تربطها به إلا جينات ولقاءات موسمية.. لا مثال في المحيط القريب جدا يجعل من ضحية مجتمع جاهل طفلا سليما يحمل أحلاما كالزهور في سنه. نور أصبحت عاملة جنس في سن الخامسة عشر. إحباط لحلم أم ترى فلذة كبدها تعيد نفس المسار الذي دمر حياتها مرتين. يزيد الطين بلة حمل لم يكتشف حتى بلغ الجنين الشهر الرابع.. حادث غير متوقع يسبب إجهاضا بعد شهرين.
أغيب بضعة أشهر عن العائلة بسبب دراستي خارج المملكة لأعود واكتشف أن نور هاجرت للإمارات.. حلم كل عاملة جنس مغربية. أتذكر ذاك الوجه الفائق الجمال وذاك الجسد المنحوت، خلق مبدع مع لمسات إضافية خاصة، نظرا لعلاقة المومسات الحميمية جدا بالجسد. عدت للمغرب مرة أخرى في رحلة عمل، تفرغت لعملي يومين قبل أن أشغل رقم هاتفي بالمغرب، دقيقة بعد ذلك يتصل بي رقم محلي. صدفة غريبة إذ لا أحد يدري بتواجدي في المغرب. أجيب فيتسلل صوت نور إلى مسامعي.." :سلمى أنت ف المغرب؟ بغيت نشوفك ضروووري". أجبت أنني سأكون ببيت أسرتي بعد الثامنة مساء. أصل للبيت لأجد شبحا ينتظرني. جلباب يوحي على أن الشخص الذي يحمله فوق جسده الهزيل قضى معظم حياته متشردا يلقط دريهمات قرب مسجد الحي.. أعين ذابلة ووجه شاحب. "نور، مالك ياك لباس".. "شفتيهم أ أختي سلمة، شفتيهم، هاهوما هاهوما تابعيني من حدا الدار وطلعوا معايا حتال هنا". كانت تحدثني بخوف وتمسك بيدي بقوة. فهمت أنها تعاني من مشكل نفسي وجب التدخل عاجلا لمعالجته. اتصلت بعدة معالجين نفسيين قبل أن يرشدني أحدهم لطبيب نفسي لأن الأمر يحتاج لعلاج بالأدوية. ابنة خالتي تعاني من مرض الفصام وتحتاج لعلاج مطول وعناية خاصة. تطلب الأمر علاج خالتي أولا، حتى تقبل بدور الممرضة في البيت لا دور الأم. عدة حصص مع طبيب نفسي كانت كفيلة لسد الخلل. كنت قد قضيت وقتا مطولا بالمغرب لتتبع الأمر إلى أن بدى الوضع آمنا ثم غادرت أرض الوطن مجددا. عودتي بعد بضعة أشهر كانت تخفي لي مفاجئة سارة.. عادت المياه إلى مجاريها بشكل أفضل من السابق.. التقي سارة لتستشيرني في مستقبل تريد بناءه.. " سلمى ندير ليستيتيك ولا شنو بأن لك.. بغيت نقرا شي حاجة فهاد المجال ".. سعدت بما قالته وأجبت بكل طواعية: "ديري لي بغيتي، شوفي انت شنو عاجبك وأنا معاك، متفكريش فكل ماهو مادي بالخصوص وهاني معاك". عدت للبيت مسرورة بذاك الوجه التي استعاد بريقه وتلك المجهودات التي لم تذهب سدا.
ويا فرحة ما تمت. تتصل بي خالتي بعد أيام لتخبرني أن نور مريضة و تقطن بالمستشفى. أول سيارة أجرة تقلني لأجد خالتي في الانتظار. نور تعاني من مرض السيدا، جابتو من الإمارات. أحاول استيعاب الأمر بضع دقائق، ثم أكمل الحديث مع خالتي التي أخبرتني أنها علمت بالأمر من طرف ممرضة بالمستشفى. منذ متى كان الممرض من يخبر عائلة المريض بأنه حامل لمرض مماثل. المصيبة أن الأم وعن حسن نية قررت إخبار ابنتها بالمرض، ظنا منها أنها أفضل من يمكنه فعل ذلك. نور ما إن توصلت بالخبر، عادت كل السوابق النفسية التي عولجت مسبقا لتطفو على سطح الواقع. لدرجة اختفاءها يومين قبل أن توجد نائمة بداخل خزانة بالمستشفى. سألت خالتي عن الغرفة التي تتواجد بها نور لتدلني إليها. تدخل خالتي دون قناع واق. "اجي فين غادية.. ياك قلتي لي عندها مرض فالرية وكتكحب مكتديري والو على نيفك وفمك قبل ما تدخلي؟". تجيبني خالتي بكل براءة أو لنقل جهل "لا، مافراسيش علاش؟". أخرج من المستشفى وكل أسئلة العالم تشغلني..كنا نعالج المرض النفسي في الوقت الذي كان المرض العضوي يتفاقم شيئا فشيئا. ثم كيف نعالج مريضا دون السؤال حتى عن سوابقه لأخذها بعين الاعتبار. اشتريت علبة أقنعة واقية وعدت للمستشفى.
وجدت نور في حالة مزيرة. كنت أتساءل ما سيكون دوري للتخفيف من هذه المعاناة التي تجر العائلة بأسرها إلى حالة من القلق والخوف والتذمر. رئيسة المصلحة هنا بالمستشفى من معارفي، لكن مبادئي ضد المحسوبية والزبونية وإيماني بكون أي مواطن يجب أن يتلقى المعاملة الحسنة داخل المستشفى بغض النظر عن أصله وفصله ومعارفه حال دون ذلك. ذهبت الجمعية المغربية لمحاربة داء السيدا ليخبروني بوجود فرع لهم داخل المستشفى.. فرع للجمعية لا يشرف على المرضى ولا يتتبع حالتهم إلا حين الاتصال بهم. طلبت من المساعدة الاجتماعية هناك أن تأتي لمعاينة حال نور، حتى تخبرنا كعائلة للمريض عن دورنا في علاجه. تأتي بعد أيام وتكتفي بملاحظة المريضة وإسداء بعض النصائح المبهمة. أتساءل مجددا إن كانت وظيفة المساعدة الاجتماعية تتطلب جهدا وإيمانا بالقضية التي تساهم في علاجها أم أنها موظفة تأتي في الوقت الذي تشاء لتتلفظ ببضع كلمات وتنسحب في صمت. آخر ورقة كانت في ملعبي أن تواصلت بالطبيب المعالج بغض النظر عن كل الأخطاء التي تم ارتكابها. أخبرته أنني من عائلة المريضة وأن لدي دراية ووعي بحجم المشكل وأنني أناقش بكل واقعية وأطلب أن يرشدني ويدلني على دوري كممثلة عن عائلة المريض، كيف يمكنني المساهمة في العلاج بأي وسيلة ممكنة.. ما دوري للتخفيف عن معاناة المريض ومساعدة الطبيب. أخبرني أن الحالة ستتحسن وأنه لا داعي للقلق وأن الوضعية مستقرة والمستقبل ينبئ بحال أفضل أكيد. كنت أناقش بعيدا عن العاطفة وأتوسل منه أن يخبرني بالتطور المتوقع مهما كان وعن استعدادي لتقبله. طمأنني فطمأنت بدوري خالتي وعدت إلى البيت. انشغلت خلال يومين بعمل متعلق بدراستي.. كنت اذهب كل يوم لأتحدث مع نور وأمنحها مساج يهدئ من روعها.. لكن كلام الطبيب جعلني أغيب يومين لأغوص في انشغالاتي.
بعد يومين، أزور المستشفى لأجد ابنة خالتي جثة هامدة تتوسد سريرا قرب المرحاض، وأي مرحاض. تخبرني خالتي أن حالتها ازدادت سوء منذ آخر يوم رأيتها وأن سريرها ظل قرب المرحاض يومين كاملين في انتظار غرفة خالية، وأن بعد موتها تم أخد عينات من الدم من كل جسدها وبعض من الماء من عمودها الفقري دون أدنى استشارة. أبحاث علمية تجرى على جسد المريض ككيس نفايات تقتات عليه القطط مستغلة لاوعيه وجهل أولياء أمره. تخبرني خالتي أنها في صباح ذلك اليوم كانت تشتهي أمرين، الحديث معي ووجبة ماكدونالد.. خالتي والدموع تنساب من عيونها تقول لي: كون فراسي غادي تموت كون درت المستحيل نجيب لها هادشي لي بغات.. ماعرفتش.. قلت حتال العشية ياك قالو لنا رآها بخير..". ماتت نور.. في سن يناهز الثالثة والعشرين.. ماتت نور بعد أن أخبرني الطبيب أن كل شيء على ما يرام. حددته بكل صدق وطلبت منه ألا يكذب علي ولم أطلب غير الحقيقة. لو أنه قال لي أن لا أمل في علاجها لبقيت بجانبها.. لحرصت على أن تقضي آخر أيامها في سلم ووئام.. لما غادرت سريرها ولو لدقيقة. أكانت غلطتي أن قررت عدم إدخال علاقاتي الشخصية في الامر.. أكانت غلطتي أن لم اتصل برئيسة المصلحة.. لو فعلت لكان التدخل لضمان حالة نفسية مستقرة لنور على الأقل، لما تم تهميشها والكذب على أهلها، لعوقبت الممرضة التي أخبرت خالتي بالمرض ولما تلقت نور الخبر كالصاعقة مما أدى إلى تعاملها معه بكل عنف. لا أدري هل يجب أن أسامح نفسي أم أسامح رئيسة المصلحة التي لحد هذه الساعة لا أقوى على لقائها حتى، كم الألم والضيق والحزن الذي لا زالت تجلبه لي هذه القصة يحثني على شتمها وقطع علاقتي بها للأبد. لأنها مهملة لمصلحة هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن كل العاملين فيها.
ماتت خالتي بعد اشهر.. كانت قد تطوعت بعد موت ابنتها لتنظيف المساجد وطلب كل المصلين للدعاء مع نور. يوم جنازتها التقي صغار العائلة فيتوجهون لي بالسؤال : " دبا شكون غادي يعطينا الفانيد باش ندعيو مع نور". أم فقدت فلذة كبدها على مراحل.. طوت صفحة من حياتها بميلادها، وضحت من أجلها.. لتصدم بصمام أمانها تعيد نفس المسار الذي فرت منه.. ثم تقبل بلعب دور الممرضة، ثم الأم مجددا.. لتفقدها في سن الزهور، ولا أدري إن كنت قدمت كل ما يمكنني تقديمه لهما أم أنني كنت مقصرة. آمنت ولا زلت مؤمنة أن من حق المواطن أن تحفظ كرامته ويتلقى المعاملة المناسبة بالتساوي.. لكنني أمام هذه القصة أعيد مراجعة مبدئي مرارا وتكرارا.

   القصة تحكيها لي صديقتي "سلمى"، اسألها إن أمكنني كتابتها، فتجيبني بالإيجاب كونها لم تتمكن رغم مضي بضع سنوات من كتابتها. كتبتها هنا بأسماء مستعارة، حفاظا على الخصوصية. أتمنى أن أكون قد وفقت في نقل كل ما أخبرتني به.. وقد أوصلت القصة للقارئ بنفس المشاعر التي حكيت لي بها مباشرة. أتساءل انا الآن عن إحساس كل طبيب، مساعد اجتماعي، ممرض، أب مهمل لفلذة كبده، عائلة تعترف ببناتها فقط حين تصرن موردا للمال بغض النظر عن مصدرها، مواطن مغربي خصوصا، بعد قراءة هذا الألم وهذا الواقع الذي لا زال يحاصر صديقتي ولا تستطيع تجاوزه أو إيجاد مفر منه.

كطالبة طب.. كل خوفي ينصب حول اليوم الذي قد أصبح فيه محايدة أمام معاناة الآخرين، اليوم الذي أتساهل فيه مع الموت، ويصبح الكائن البشري بالنسبة لي كحالة لا كإنسان.. اليوم الذي يموت فيه القلب وتنهار قيم ومبادئ وأخلاق الطبيب ليصبح منحاز للزبونية والمحسوبية و يصبح جوفه خاليا من الأحاسيس والمشاعر. يوم أصبح هذا الشخص.. سأنسحب ببطء.. بأدب.. و بمسؤولية !


فاطمة الزهراء متمسك.

هناك 7 تعليقات: